ملاحظة: بنيت هذه القصة على وقائع حقيقية عاشتها امرأة فلسطينية من قطاع غزة، فقدت كافة أفراد عائلتها نتيجة لحرب الإبادة الاسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، وعايشت أشكالاً من الفقد تفوق طاقة الإنسان على الاحتمال. وثق مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي شهادتها من خلال الوصول الميداني المباشر؛ لذا تعكس القصة تجربتها كما عاشتها، دون مبالغة. أما الأسماء الواردة في هذه القصة فهي مستعارة، كما جرى تمويه بعض التفاصيل المكانية والمهنية والزمنية الدقيقة؛ حمايةً لهوية صاحبة الشهادة، دون المساس بجوهر تجربتها الإنسانية.
قبل أن يصبح اسمي: الناجية
اسمي في هذه القصة مريم. أنا امرأة فلسطينية في أوائل الثلاثينيات، كنت أعيش مع زوجي سامر وابني آدم في أحد أحياء غزة، كما أعمل في مجال إدخال البيانات في قطاع الإسعاف والطوارئ. في عملي، كنت أسجل أسماء المصابين، وأعمارهم، وأوقات وصولهم. لم أتخيل يوماً أن حرب الإبادة المستمرة ستجعل عائلتي نفسها سلسلة من الأسماء والتواريخ، وأن الناس سيعرفونني بعد ذلك باسم واحد: الناجية الوحيدة.
قبل حرب الإبادة المفجعة، كانت حياتنا عادية وبسيطة؛ فبيتنا يقع بين حيين متجاورين، وآدم يذهب إلى الروضة، وأنا حامل بعد انتظار دام ست سنوات. كنت في بداية الشهر الرابع عندما بدأت حرب الإبادة. في صباحها الأول، كان آدم يستعد لركوب حافلة الروضة، لكن قصف الطيران الحربي التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي بدأ، فأعدته إلى البيت، وباعتقادي يومها أنني حميته، ومن ذلك اليوم بدأت سلسلة محاولات الصمود به والنجاة؛ دون أن يخطر ببالي قط أنني سأقضي وقتي الباقي كله بعد ذلك، أحاول فقط أن أتذكره كما كان.
في اليوم التالي، ولاحقاً لتكاثف ضربات سلاح الجو التابع لجيش الاحتلال الاسرائيلي بدأنا نجمع أغراضنا. أخذنا بعض الملابس والأوراق ودواء تثبيت الحمل، وأشياء صغيرة ظننا أننا قد نحتاج إليها. لم نكن نعرف إلى أين سنذهب، ولا كم سنغيب. كنا نريد فقط أن نكون مستعدين إذا اضطررنا إلى الخروج بسرعة.
بيوت مؤقتة وخوف دائم
نزحنا أول مرة إلى بيت قديم نتيجة للرعب وشدة القصف من الطائرات الحربية وكثافة الطيران الحربي الإسرائيلي الواقع فوق رؤوسنا، حيث اجتمعت في هذا البيت عائلات كثيرة من الأقارب. كنا أكثر من ثلاثين شخصاً تحت سقف واحد. لم أجد مكاناً مريحاً للنوم أو الحركة، وكنت متعبة بسبب الحمل وأتناول أدوية التثبيت، حيث بقينا هناك نحو شهرين. وعندما اقتربت آليات الاحتلال الإسرائيلي أثناء اجتياح الجيش الإسرائيلي للمنطقة، خفنا أن تحاصرنا قوات الاحتلال، فاضطررنا إلى الرحيل مرة أخرى.
انتقلنا إلى بيت قريب لأسرة زوجي. هناك، وسط قصف الطيران المروحي والحربي وصعوبة التنقل، بدأت أشعر بأن الولادة قد تأتي قبل موعدها. كنت في الأصل حاملاً بتوأم، لكن أحد الجنينين توفي في بطني خلال الحرب بسبب سوء التغذية نتيجة لمنع قوات الاحتلال دخول المؤن والأكل الصحي والمكملات الغذائية اللازمة لحماية صحتي وأجنتي. أخبرني الأطباء أنهم لا يستطيعون التدخل ما دام الجنين الآخر بخير، وأن بقايا الجنين ستخرج عند الولادة. كانت فصيلة دمي نادرة، وكان مقرراً أن ألد بعملية قيصرية. لكن، وخلال حرب الإبادة مستمرة، لا تسير الأمور كما يقرر الأطباء، ولا كأي خطط كونية.
ولادة على ضوء هاتف
في إحدى ليالي الشتاء، جاءني المخاض فجأة. كان الألم شديداً، والقصف لا يتوقف. كانت أمينة، وهي قابلة من العائلة، معنا في البيت. حاولت أن تهدئني حتى الصباح؛ كي نتمكن من الوصول إلى المستشفى. لكن الطفل كان ينزل بقدميه؛ ظهرت قدم واحدة، وبقيت الأخرى عالقة، ولم يعد ممكناً أن ننتظر.
ونتيجة لاشتداد استهدافات الطيران الحربي، وزيادة المخاطر من ذهابي إلى المستشفى ساعدتني أمينة بما تملكه من خبرة، دون أدوات أو تجهيزات. كنت أحاول أن أدفع، رغم التعب والخوف ودون أي أدوية أو مخدر أو مسكنات، وهي تحاول إخراج الطفل. وبعد نحو ساعة، وُلد سليم حياً وبصحة جيدة. فرحت به للحظات، وضممته، وأرضعته مرتين. لم أكن أعرف أن هاتين المرتين ستكونان كل ما سيبقى لي منه.
لكن الولادة لم تنتهِ، حيث بقيت المشيمة ملتصقة، وبدأت أنزف. احتجت إلى تدخل جراحي عاجل، ولم يكن الخروج في ذلك الوقت آمناً. رفض سامر أن ينتظر حتى الصباح؛ حملني إلى السيارة، وانطلق بي تحت القصف الشديد من الطيران الحربي، دون أن يأبه بمخاطرته بحياتنا جميعاً. كنت أغيب عن الوعي ثم أستعيده، والسيارة تقفز فوق الحفر والمطبات بسبب دمار البنى التحتية والشوارع نتيجة الدمار الذي تسبب به القصف الإسرائيلي العنيف ما حول المنطقة إلى خرابة تماماً. لا أستطيع أن أنسى ذلك الطريق.
وصلنا إلى مركز طبي صغير. المكان الذي سموه "غرفة عمليات" لم يكن فيه سوى سرير تقريباً؛ فلا إضاءة كافية، ولا مستلزمات أساسية، بسبب منع الاحتلال إدخال الوقود والمستلزمات الطبية في حينها. طلب الطبيب مصدراً للضوء، فاستخدم سامر كشاف هاتفه. ثم طلب مناديل وفوطاً طبية، وبدأ الجميع يبحثون عما يمكن توفيره. أما المخدر، فلم تكن منه كمية كافية.
وقف الطبيب عند رأسي، واعتذر مني. قال إنني سأشعر بالمشرط، وإن الجرعة المتوفرة من المخدر لن تزيل الألم نتيجة لشح المستلزمات أيضاً، كان يبكي وهو يحدثني. أمسك سامر بيدي، وقبّل رأسي، وقال لي: "لا تخافي". قلت له إن أهم شيء عندي أن يبقى الطفل بخير. خرج سامر بطلب من الطبيب، وبدأت العملية على ضوء الهاتف.
خرجت من المركز بعد ساعات قليلة؛ لأن الأسرّة لم تكن تكفي الجرحى، تاركين الأولوية لمصابي حرب الإبادة، التي لم تعد المراكز الطبية قادرة على استيعابها ولا بأبسط التدخلات الطبية، نتيجة لكثرة الإصابات وخطورتها؛ ناهيكم عن تهجير قوات الاحتلال عدد مهول من الكوادر الطبية من شمال القطاع إلى جنوبه في تلك الفترة، ما زاد الأزمة تلك أضعافاً مضاعفة. احتاج سليم إلى علاج غير متوفر هناك، حيث احتاج حضانات غير متوافرة إلّا في مشفى واحد فقط. نقلوه إلى مستشفى آخر ووضعوه في الحضانة، حيث أخبرونا أنه سيعود إلينا بعد العلاج. علمنا من خلال الأخبار أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد حاصرت المستشفى بعد ذلك، وقطعت الكهرباء والأكسجين والاتصالات عن المنطقة كاملة وبما فيها المشفى إياه. ظللنا يومين نحاول معرفة أي جديد بالخصوص. وفي اليوم الثالث، سمعنا عبر المذياع أن أطفالاً في الحضانة ماتوا بعد توقف الأجهزة، نتيجة لانقطاع الأكسجين والكهرباء وإفراغ واعتقال الكادر الطبي من المشفى، حيث بقي هؤلاء الأطفال بلا منجٍ ولا منقذ.
لم يخبرني أحد في البداية، كنت أرى من حولي يتهامسون، ويتجنبون النظر إليّ. جاءت امرأة من العائلة، واحتضنتني، وقبّلت رأسي. سألتها فوراً إن كان قد أصاب أهلي شيء. قالت إنهم بخير، ثم قالت: "الله يعوضك خيراً في سليم". عندها انهرت.
استطعنا لاحقاً استعادة جسده بعد ذلك، والذي احتضنته وهو بلا حول ولا قوة. فودعناه ودفناه. لا أملك له صورة واضحة في رأسي، ولم ألحق أن أتأمل وجهه أو أن أصوره حتى. أرضعته مرتين فقط، وهذا كل ما أتذكره من الوقت القصير الذي قضاه بين يدي.
العودة فارغة اليدين
بعد أسابيع، عدت إلى بيتنا. كنت قد خرجت منه حاملاً، وعدت من دونه؛ فارغة اليدين وكلي حسرة ونقمة وخوف، من ألا أعيش مشاعر الأمومة تلك مرة أخرى، نتيجة لقسوة الظروف التي قد أحكمها الاحتلال علينا، ناسية لوهلة فقط شكر الله على نعمة ابني آدم في حينه. كان كل شيء تقريباً في مكانه، لكنني لم أشعر أن البيت هو نفسه بيتي. كنت أنظر إلى الغرفة، وأتذكر كيف تخيلت أنني سأدخلها ومعي طفلي. حاول سامر أن يقويني، وكنت أحاول أن أبدو قوية أمامه، لكن ألم العملية والفقد لم يتركاني.
لم نبقَ طويلاً. اشتد القصف الإسرائيلي مجدداً، ونزحنا مرة أخرى، بينما بقي والد سامر في البيت. اتصل بنا، وقال إن الوضع هادئ، وإننا قد نعود في الصباح. كان يتحدث مع زوجته عندما وقع استهداف قريب وواضح من الطيران الحربي، ومن ثم انقطع صوته. ظلت زوجته تناديه عبر الهاتف، لكنه لم يجب. ذهب سامر وأخوه مسرعين، ووجداه شهيداً هامداً. أحضراه إلينا، وبكل ما يحملانه من ألم وصدمة، فودعناه ودفناه، وهي تتوالى الجراح علينا تباعاً.
الليلة التي أطفأت البيت
بعد أن هدأ الوضع، عدنا إلى البيت. كنا نعيش في بناية واحدة؛ كل أسرة في شقة. وفي إحدى ليالي أواخر صيف 2024، اشتد الخطر، فاتفقنا أن نتغدى معاً في اليوم التالي، ثم نغادر. جلسنا تلك الليلة في شقة أم سامر حتى وقت متأخر، وضحكنا للمرة الأولى منذ مدة. قال أحد إخوة سامر إنه رأى والده في المنام يبتسم لهم. مازحناه، وقلنا له إننا مشتاقون إليه، لكننا لا نريد اللحاق به الآن. لم نكن نعرف أنها ستكون جلستنا الأخيرة.
صعدنا بعد ذلك إلى شقتنا. نظرت إلى الساعة، ووضعت رأسي على الوسادة، ثم سمعت استهدافاً قريباً. في البداية، ظننت أن شيئاً في البيت انفجر. ناديت سامر أكثر من مرة، ولم يجب. كانت الدنيا مظلمة، ورائحة البارود قوية، ولم أكن أشعر بجسدي. بعد دقائق، فهمت أن الطيران الحربي قد استهدف البيت كاملاً، وأنني تحت الأنقاض.
بدأت أنادي سامر وآدم وبقية العائلة، لكن لم يجبني أحد. صار نفسي يضيق، وشعرت أنني سأفقد الوعي. حاولت أن أبقي نفسي مستيقظة، وأن أصدر أي صوت. بعد وقت لا أعرف كم طال، رأيت ضوءاً خافتاً، وسمعت رجلاً ينادي أمه. عرفت صوته؛ كان كريم، شقيق سامر.
تتبع كريم صوتي حتى وصل إليّ. كان يبكي، ويقول إن أمه وزوجته وأطفاله استشهدوا. سألته عن سامر وآدم، فقال أنهم لم يعثروا عليهما. بقيت مكاني حتى وصلت فرق الإنقاذ وأخرجتني. وضعوني في سيارة الإسعاف، ثم سمعت الناس يقولون إنهم وجدوا شخصاً حياً. فتحوا الباب، وأدخلوا سامر، وكانت إصابته خطيرة. أمسك يدي، وقال: "راحت روحي يا مريم"، وكان يقصد آدم، ابننا.
في المستشفى، عالجوا كسوراً وحروقاً في جسدي، ووضعوا صفائح معدنية لتثبيت بعض العظام. خرجت بعد يومين، بينما بقي سامر في المستشفى. ظل آدم تحت الأنقاض أياماً، إلى أن تمكن أخي وكريم من انتشال جثمانه ودفنه.
أعدته في بداية الحرب من باب حافلة الروضة إلى حضني، وفي نهايتها، لم أستطع أن أخرجه من تحت ركام بيتنا.
آخر صوت
كانت آخر مكالمة بيني وبين سامر بعد إصابته بنحو أسبوعين. قال لي: "انتبهي إلى نفسك". وبعد ثلاث ساعات، دخل في غيبوبة، ولاحقاً لذلك اتصل اخي ليبث لي الخبر الصاعق، فسألته عن سامر بمجرد اتصاله، فقال: "الله يرحمه، والله يصبرك ويعينك". سألته: "استشهد؟" لكنه لم يستطع أن يقول أكثر من الجملة نفسها.
في تلك اللحظة، نسيت إصابتي والصفائح المعدنية في جسدي. بدأت أصرخ، وأدعو له بالرحمة. ذهبت إلى المستشفى لأودعه، كنت أنظر إلى الرجل الذي خاطر بحياته ليأخذني إلى المستشفى، وأمسك يدي وقت العملية، وحاول طوال الحرب أن يجعلني أشعر أنني لست وحدي.
جسد مثقل بأطلال الغائبين
لاحقاً لكل مصابي الجلل، صار الناس يلقبونني بـ: زوجة شهيد، وأم شهيدين، والناجية الوحيدة. أسمع هذه الكلمات، ولا أعرف ماذا أفعل بها. كل كلمة منها تختصر إنساناً أعرف صوته وضحكته وتفاصيله، وبيتاً كان ممتلئاً بالناس، ثم خلا منهم.
أنا ناجية، لكنني لا أشعر دائماً أن النجاة تعني أن الحياة عادت. في جسدي آثار العملية والكسور والحروق والصفائح المعدنية. وما زلت أراجع الأطباء بسبب الألم في موضع العملية، أما الألم الآخر، فلا أعرف إلى أي طبيب آخذه.
أعود أحياناً إلى عملي، وأتعامل من جديد مع الأسماء والأعمار والبيانات. صرت أعرف أن كل خانة تحمل حياة كاملة، وأن كلمة "شهيد" لا تخبرنا كيف كان الإنسان يضحك، ولا ماذا كان يحب، ولا مَن ينتظره في البيت.
أروي هذه القصة لأنني لا أريد لعائلتي أن تتحول إلى أرقام. أخفي أسماءنا الحقيقية؛ حمايةً لما بقي، لكنني أريد أن يعرف الناس أن لي زوجاً كان يخاف عليّ، وطفلاً يحب روضته، ورضيعاً انتظرناه ست سنوات، وعائلة اجتمعت في ليلة أخيرة، وضحكت، وخططت لغداء لم يأتِ.
اسمي هنا مريم، لكنه ليس اسمي الحقيقي. وأنا لست ببطلة، كما يقول بعض الناس. أنا امرأة تحاول أن تنهض كل صباح، وأن تعيش بما بقي لها من قوة. أتكلم لأن الصمت ثقيل، ولأن من فقدتهم بسبب تغول المحتل وحرب الإبادة المستمرة، والتي لا زالت تسحب منا أغلى ما نملك، والذين كانوا هنا فعلاً، عاشوا، وضحكوا، وأحبوا؛ وليس من العدل أن تبقى منهم أرقام وتواريخ فقط.