رسالة المديرة العامة لعام 2025
في قلب التحديات… يولد الأمل
في واحدة من أقسـى المراحل التي مرّ بها الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث، جاء عام 2025 ليجسّد واقعًا مثقلًا بالألم، وفي الوقت ذاته شاهدًا على قوة الصمود والإرادة. لقد وجدت النساء الفلسطينيات أنفسهن في قلب هذا المشهد، يتحملن أعباء مضاعفة نتيجة حرب الإبادة المستمرة، والتهجير القسري، والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والعقوبات الجماعية وإرهاب المستوطنين، إلى جانب ما يواجهن من تحديات اجتماعية واقتصادية متجذّرة.
في قطاع غزة، خلّفت حرب الإبادة دمارًا واسعًا وخسائر بشـرية هائلة، كانت النساء والفتيات من بين الأكثر تضررًا. آلاف النساء فقدن حياتهن، وأخريات أُصبن أو فُقدن تحت الأنقاض، ولازالت أكثر من ثلاثة آلاف امرأة مفقودة، وتعرضن للاعتقال والخطف على أيدي جيش الاحتلال في ظروف احتجاز غير إنسانية، وتم الاعتداء عليهن جنسيا وتعذيبهن، فيما تواجه مئات الآلاف ظروفًا إنسانية كارثية مع التهجير القسري لعدة مرات، وفي ظل الحصار وانهيار منظومات الحياة الأساسية. عانت النساء من الجوع، وانعدام الأمن الغذائي، وشحّ المياه، وغياب الرعاية الصحية، خاصة في ظل استهداف البنية التحتية الصحية، بما في ذلك خدمات الصحة الإنجابية. كما اضطرت آلاف النساء لتحمّل مسؤولية إعالة أسرهن بمفردهن بعد فقدان الأزواج، في ظل غياب أي شبكات حماية حقيقية.
أما في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فقد تصاعدت وتيرة العنف بشكل غير مسبوق، من خلال العمليات العسكرية الواسعة، والتهجير القسري في شمال الضفة الغربية لما يزيد عن أربعين ألف شخص، واعتداءات المستوطنين، والتوسع الاستيطاني، مما أدى إلى أكبر موجة تهجير قسري منذ عقود. تأثرت النساء بشكل مباشر بهذه السياسات، حيث تعرّضن للعنف، وفقدن مصادر رزقهن، وتقيّدت حركتهن بفعل الحواجز العسكرية والإغلاقات، ما أعاق وصولهن إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والعدالة. كما تحولت نقاط التفتيش إلى مساحات للخطر والإذلال، حدّت من مشاركة النساء في الحياة العامة وأثّرت على أمنهن الشخصي وكرامتهن.
وفي سياق الاحتجاز، لا تزال النساء الفلسطينيات يتعرضن لانتهاكات جسيمة داخل مراكز التوقيف والسجون، تشمل المعاملة المهينة، والحرمان من الرعاية الصحية، والاعتداءات الجنسية، وأشكالًا متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي. كما تواجه النساء في القدس الشرقية واقعًا قانونيًا هشًا، حيث ترتبط إقامتهن في كثير من الأحيان بوضعهن العائلي، ما يزيد من تعرضهن لخطر فقدان المأوى أو الوقوع في دوائر العنف والاستغلال.
إن هذه الانتهاكات ليست أحداثًا منفصلة، بل تأتي في إطار منظومة متكاملة من الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني، تتقاطع مع البنى الأبوية، لتنتج واقعًا مركّبًا من القهر والتهميش تعيشه النساء يوميًا.
كما وعانت النساء خاصة الناشطات النسويات والمؤسسات النسوية من تضييق الفضاء المدني عليهن، وتعرضت العديد من المؤسسات الحقوقية للوصم والعقوبات ما أدى التضييق على الفضاء المدني والعمل على حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وكان ذلك بالتضييق على الناشطات النسويات، والصحافيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، وأدى إلى خلق بيئة غير آمنة خاصة مع تصاعد الحملة المضادة من القوى الاجتماعية والسياسية المحافظة داخل المجتمع الفلسطيني، ما جعل معاناة المدافعات عن حقوق الإنسان معاناة مضاعفة قيضت من عملهن لإحداث التغيير الاجتماعي ومناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي وحماية حقوق النساء والفتيات الفلسطينيات.
ورغم كل ذلك، كان عام 2025 أيضًا عامًا للعمل الدؤوب والتأثير المستمر. واصل مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي جهوده في توثيق الانتهاكات، والمناصرة على المستويين المحلي والدولي، وتقديم خدمات الحماية والدعم القانوني والاجتماعي والنفسي للنساء. كما عمل المركز على إيصال صوت النساء الفلسطينيات إلى المحافل الدولية، وتعزيز آليات الحماية المجتمعية، وتوسيع نطاق استجابته في ظل تزايد الاحتياجات، بما في ذلك دعم النساء المتضررات من التهجير القسري والعنف.
محليًا، استمر المركز في تنفيذ برامجه لتمكين النساء والشباب، وبناء قدراتهم، وتعزيز دورهم في إحداث التغيير المجتمعي، انطلاقًا من رؤية نسوية تؤمن بأن النساء لسن فقط ضحايا، بل شريكات فاعلات في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة.
إن ما تحقق خلال هذا العام ما كان ليتحقق لولا التزام طاقم المركز، ودعم مجلس الإدارة والهيئة العامة، وشراكاتنا المحلية والدولية، الذين شكّلوا جميعًا ركيزة أساسية لاستمرار هذا العمل في ظل ظروف بالغة التعقيد.
نختتم عام 2025 ونحن ندرك حجم التحديات التي ما زالت قائمة، لكننا نتمسك بإيمان راسخ بقدرة العمل الجماعي على إحداث التغيير. سنواصل نضالنا من أجل العدالة، ورفع صوت النساء الفلسطينيات، والعمل نحو مستقبل تنعم فيه كل امرأة بالكرامة والأمان والمساواة.
رنـــدة سنيـــــــورة
المديـــــــرة العــامــــــة