"بكفي نكنس العنف تحت السجادة... احكي براحتك وحسي بأمان" من تجربة أكاديمية إلى مبادرة تصنع الأثر

  • الرئيسية
  • الأخبار
27 أغسطس 2026

" كنت أود أن أصبح طبيبة أسنان، فأصبحت مؤثرة!"

ما بين حلم طب الأسنان والتأثير المجتمعي، اختارت آلاء الأخرس الانتقال من مرحلة فقدان الشغف إلى مرحلة إطلاق مبادرة مجتمعية لمنع العنف على النساء. لطالما حلمت آلاء في تحقيق حلمها منذ الصغر بأن تكون طبيبة، ولكن القدر اختار طريقاً آخراً لها، حيث إن نتائج الثانوية العامة والظروف المادية حالا دون تحقيق حلمها في دراسة طب الأسنان، لتكمل حياتها الجامعية باختيار تخصص رئيسي علم نفس فرعي (دراسات المرأة ) في جامعة بيرزيت، ليفتح أمامها طريقًا جديدًا مليئًا بالتحديات والإنجازات معاً.

لم تكن تعتقد آلاء يوماً ابنة ال22 ربيعاً أن تصبح في آخر سنة دراسية لها، مصدر إلهامٍ لكثير من النساء الفلسطينيات، فمع مرور الوقت وخلال فترة دراستها في الجامعة، وجدت آلاء نفسها في قالب لفهم الإنسان أكثر، من خلال الاقتراب من قضاياه، والمساهمة في دعم الفئات الأكثر حاجة، وهو ما دفعها إلى التميز أكاديميًا، وربط المعرفة النظرية بالواقع المجتمعي خاصًة بما يتعلق بحقوق النساء .

وفي رحلة التعليم والتجربة الميدانية، استوقفها عنوان كتيب حمل عبارة: "بكفي نكنس العنف تحت السجادة... (إحكي براحتك وحسي بأمان)" فهو لم يكن مجرد عنوان بالنسبة لها، بل كان انعكاسًا لواقع تعيشه كثير من النساء اللواتي يواجهن العنف بصمت. ومن هنا بدأت تتشكل فكرة مبادرة تسعى إلى توفير مساحة آمنة للنساء، يشعرن فيها بأن أصواتهن مسموعة، وأن طلب الدعم ليس ضعفًا، بل بداية لاستعادة القوة والعيش بحرية وكرامة.

لم تكن الرحلة مليئة بالورود

خلال رحلتها التأملية، ومع اللقاءات الميدانية التي أجرتها مع النساء، والاستماع إلى احتياجاتهن النفسية والاجتماعية، أدركت آلاء أهمية وجود حاضنة تمنحهن الثقة والشعور بالأمان، ومن هنا بدأت الرؤية تتوضح أكثر فأكثر نحو تعزيز الصحة النفسية، والتوعية بالحقوق، وتشجيع النساء على كسر حاجز الصمت.

لم يكن تنفيذ المبادرة سهلًا، فقد كانت آلاء توازن بين دراستها الجامعية وعملها بدوام كامل، إلى جانب متطلبات التدريب وتنفيذ الأنشطة الميدانية. ورغم تعدد المسؤوليات المتراكمة عليها استطاعت تحقيق أول أحلامها دون خوف أو تردد بل اعتبرته تحدٍ وفرصة لتطوير ذاتها، وإثبات قدرتها على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى عمل مجتمعي ملموس.

حاولت خلق بيئة مريحة ومناسبة لطرح المبادرة ضمن ضوابط تراعي الخصوصية والسرية، ولتساعد في إيصال الصورة المناسبة ومحاولة تغيير الصور النمطية التي تتعلق بالنساء وحقوقهن.

" هدف المبادرة هو لكسر الوصمة الاجتماعية النمطية عن النساء المعنفات"

وتعنى هذه المبادرة إلى بناء أنشطة دعم نفسي واجتماعي، وتعزيز قدرة النساء المعنفات على التكيف النفسي والاجتماعي، تشجيع النساء المعنفات على التعبير عن معاناتهن وعدم الصمت عن العنف، توفير مساحة آمنة وداعمة نفسياً واجتماعياً، توعية النساء بحقوقهن النفسية والاجتماعية والقانونية، المساهمة في تعزيز الصحة النفسية للنساء والتخفيف من مشاعر الخوف والعزلة والضعف، وبناء شبكة دعم مجتمعية تشجع النساء على الوصول للمساعدة دون خوف أو خجل.

وتشمل هذه المبادرة بشكل خاص جزئية تقديم المساعدة والمساندة المباشرة، خاصةً للنساء اللواتي يرغبن في الانفصال عن أزواجهن بسبب العنف بشكل رئيسي، أو لأي امرأة أو فتاة تتعرض للتعنيف داخل أسرتها أو مكان عملها أيضا.

وتدعو آلاء إلى تنفيذ هذه المبادرة من خلال ضمها إلى استراتيجية التخطيط والتنفيذ السنوية في كل المؤسسات النسوية، والتي تٌعنى بحقوق المرأة بشكل أساسي، بالإضافة إلى المؤسسات الراعية لذوي الاحتياجات الخاصة، وحقوق الإنسان. لما يسهم في تعزيز دور المؤسسات النسوية والنفسية والاجتماعية على تقديم الدعم والإرشاد للنساء دون استثناء، وأهمية بناء أنشطة وفعاليات دعم وإسناد لرفض كل أشكال العنف والتوجه إلى حل الإشكالية بدلا من السكوت عنها.

وتحلم آلاء إلى الاستمرار في هذه المبادرة لمحاول التشبيك مع كافة مؤسسات الوطن المساندة لقضايا وحقوق الإنسان عامةً وحقوق النساء خاصةً، بحيث تصل النساء إلى العدالة الاجتماعية دون انتقاص لأي حقوق.

" لولا الداعمين لما وصلت"

" لولا الداعمين لما وصلت، بدعم عائلتي أولاً وجامعتي ثانياً، استطعت أن ابدأ حلمي بتطوير رؤيتي لتأدية أمانتي في علمي وعملي بتقديم الدعم والمساندة لكل امرأة بحاجة إلى مساعدة. من هنا بدأت وسأستمر حتى إيصال رسالتي إلى النهاية" هكذا وصفت آلاء بداية مسيرتها، ولكنها لن تكتفِ، ستبقى مستمرة حتى تحقيق العدالة لكل النساء المستضعفات والمعفنات في فلسطين.

حيث وجدت آلاء في رحلتها داعمين كثر آمنوا بقدرتها على النجاح، ومنحوها الثقة والمساحة لتطبيق أفكارها على أرض الواقع. على رأسهم أسرتها، والتي كانت لها مصدر الإلهام الأكبر من تقديم الدعم والاحتواء.

وهذا يؤكد أهمية وجود هذه المبادرة لتوعية عائلات النساء كافة بكيفية التعامل معهن بآلية صحيحة للوصول إلى المسار النسوي الحقوقي الذي يعمل على ضمان حياة كريمة لكل النساء.

ولم يقتصر أثر المبادرة على النساء اللواتي شاركن فيها، بل امتد إلى صاحبتها أيضًا. فقد عززت هذه التجربة الثقة الداخلية لها، ما أسهم في تطوير مهاراتها في القيادة والتواصل والعمل المجتمعي، وفتحت أمامها فرصًا للتعاون مع مؤسسات وأكاديميين يعملون في مجالات التمكين والدعم النفسي والاجتماعي

واليوم، تنظر آلاء إلى هذه المبادرة على أنها بداية لمسيرة أطول، تطمح من خلالها إلى تطوير برامج مجتمعية مستدامة تصل إلى عدد أكبر من النساء والفتيات، وتسهم في بناء مجتمع يوفر لهن الحماية، والدعم، والفرصة للتعبير عن أنفسهن دون خوف

وتؤمن آلاء بأن المبادرات الشبابية قادرة على إحداث تغيير حقيقي عندما تنطلق من فهم احتياجات المجتمع، وأن تمكين المرأة يبدأ بإيمانها بحقها في الأمان والكرامة، وبوجود مؤسسات وأفراد يدعمون هذا الحق ويعملون من أجله

لقد أثبتت تجربة آلاء أن التحديات قد تغيّر وجهة الحلم، لكنها لا تمنع من الوصول إليه. فحين يقترن العلم بالشغف، وتتحول المعرفة إلى مبادرة تنطلق من احتياجات الناس، يصبح الأثر هو النجاح الحقيقي، وتصبح كل خطوة بداية جديدة نحو مجتمع أكثر عدالة وأمانًا